الانطباع الأول عن الوجهات لا يُرى دائمًا.. بل يُشعَر. بالنسبة لنورة وابنة أختها سديم، لم تبدأ الحكاية بمشهد، بل بوصفٍ حيّ.
في قلب مركز الاستقبال بمطار "البحر الأحمر الدولي"، تتدلّى منحوتة حلزونية ضخمة، تنبض بالحركة. تتبدّلألوانها بانسيابية، متفاعلةً مع همسات الرياح وإيقاع البحر. لم تكن مرئية لهما، لكن أحد أعضاء فريق الترحيب رسمها بالكلمات؛ وصف حركتها، واتساعها، وعلاقتها بالبيئة من حولها، حتى بدت وكأنها تُرى بالخيال… لوحة تتشكّل في الذهن.
ومن تلك اللحظة، بدأت القصة.
استقبلت "البحر الأحمر الدولية" مؤخرًا خمسة ضيوف من ذوي الإعاقة البصرية، معظمهم من المكفوفين، في وجهة "البحر الأحمر"، ضمن رحلة امتدت 4 أيام صُمّمت لتكون تجربة غامرة من الاستكشاف والتواصل. وصل عبد العزيز، ورنيم، ونورة، ومحمد، ومنصور، برفقة مرافقيهم، لينضموا إلينا في منتجع Six Senses Southern Dunes. انضمّ إلينا اثنان من الضيوف عبر شراكتنا المستمرة مع اللجنة الأولمبية والبارالمبية السعودية، ممثلة بـ"فريق السعودية"، بما يعكس جهدًا أوسع للإسهام في تشكيل تجارب سياحية ورياضية أكثر شمولًا عبر وجهاتنا. لم تكن زيارتهم مجرد رحلة، بل امتدادًا لالتزامنا المستمر بأن تكون تجربة الوصول شاملة وعميقة، وتعكس قناعتنا بأن السفر حقٌّ للجميع، يُعاش دون استثناء.
ومنذ البداية، لم تكن إمكانية الوصول فكرة لاحقة، بل كانت جوهرًا تصميميًا يتغلغل في كل تفاصيل الرحلة؛ من لحظة الوصول والتنقّل إلى التجارب والمساحات العامة وحتى الطبيعة ذاتها.
"إمكانية الوصول لا تتعلق بالمرافق فقط، بل بقدرة كل ضيف على عيش التجربة كما يعيشها الآخرون. نحن نلتزم بصناعة تجارب وذكريات عادلة وشاملة لذوي الإعاقة عبر منتجعاتنا. وفي هذه الأنشطة تحديدًا، سعينا لاكتشاف كيف يمكن للحواس الأخرى أن تعمّق التجربة وتثريها. الأهم هو النظر إلى الرحلة ككل، من لحظة الوصول، إلى الشاطئ، إلى المطاعم، إلى الأنشطة. كل تفصيل يجب أن يعمل بتناغم ليصنع تجربة متكاملة".
وسط تضاريس صحراوية خلابة، صُمّم المنتجع الصحراوي ليكون جسرًا يربط الضيوف بالطبيعة والثقافة والرفاه. ومنذ اللحظة الأولى، كان الهدف توفير بيئة يشعر فيها الضيف بالراحة والثقة، ويتنقّل فيها بانسيابية بين المساحات.
وبعد الاستقرار، اجتمعت المجموعة في مدرسة الطهي بالمنتجع لخوض تجربة تفاعلية نابضة بالحياة، بإشراف الشيف السعودية أفنان هوساوي. ومع اقتراب رمضان، حملت قائمة الطعام روح التقاليد. امتلأ المكان بإيقاع التحضير؛ أصوات التقطيع، وملمس العجين، وحركة الأيدي وهي تُشكّل المكونات.. تجربة تُسمَع وتُحَسّ، بقدر ما تُرى.
بالنسبة لعبد العزيز ومنصور ومحمد، أخذت الأمسية منحنى غير متوقّع. فالثلاثة يحبون الموسيقى، حيث يمارس منصور الموسيقى كمهنة، ومع انسياب أجواء العشاء في مطعم السراب، انجذبوا تلقائيًا نحو الآلات.
جلس منصور إلى جانب البيانو، ومحمد إلى لوحة المفاتيح، بينما تولّى عبد العزيز الغناء. تنقّل أداؤهم بسلاسة بين الكلاسيكيات العربية والغربية، ليبلغ ذروته بتقديم مؤثر لأغنية "Fly Me to the Moon".
في صباح اليوم التالي، تحوّلت الصحراء إلى مسرح التجربة.
برفقة فريق "أكون" من "البحر الأحمر للرياضة والترفيه"، انطلقت المجموعة في رحلة مشي عبر التضاريس. دعمتهم تجهيزات متخصصة وإرشادات لفظية دقيقة، لكن البيئة نفسها كانت العنصر الأبرز؛ نسمات الهواء، وملمس الرمال تحت الأقدام، واتساع الأفق… جميعها رسمت إحساسًا عميقًا بالمكان والحجم.
وقال منصور: "المشي فوق الكثبان كان تجربة مختلفة تمامًا، كأنك تدخل عالمًا آخر. الهواء كان نقيًا بشكل لا يُوصف، والوقت مرّ بسرعة لدرجة أننا لم نشعر بمرور ساعة ونصف، فقط نتحدث ونتبادل القصص ونعيش اللحظة. كانت هذه أول مرة أخوض فيها تجربة كهذه. فريق "أكون" جعلها ميسّرة لنا لدرجة أننا لم نستخدم عصيّنا".
وفي وقت لاحق من اليوم، خاض الضيوف بالتعاون مع شذى القرشي، ومحمد الجهني، وسند الحامدي من فريق التنمية المجتمعية لدينا، تجربة الصقارة، أحد أبرز التقاليد المتجذّرة في الثقافة السعودية. صوت الأجنحة وهي تشقّ الهواء، وحضور الطيور المهيب، خلقا ارتباطًا حسيًا عميقًا بإرث المنطقة. في البداية، بدت نورة مترددة، لكن تجربتها مع الصقور سرعان ما تحوّلت إلى ثقة متزايدة، مسترشدةً باللمس والوصف الدقيق.
وقالت: "كنت دائمًا أتخيّل الصقور أكبر بكثير مما هي عليه في الواقع. اليوم، عندما حملتُ أحدها وشعرت بريشه وتفاصيله، تغيّر هذا التصوّر تمامًا. وساعدني شرح المدرّبين على تكوين صورة واضحة في ذهني لأول مرة. كانت تجربة مميزة للغاية".
مع حلول المساء، كشفت الصحراء عن بُعد آخر من سحرها. فمن خلال تجربة تأمل النجوم التي يقدّمها فريق "أكون"، خاض الضيوف رحلة ليلية تُستكشف بالحواس؛ عبر الصوت والسرد واللمس. ساعدت المؤثرات الصوتية التفاعلية والأدوات اللمسية على تحويل اتساع السماء إلى تجربة قريبة وشخصية، تُدرك بالحضور لا بالنظر.
في اليوم الثالث، تحوّل الإيقاع نحو الحركة والإبداع. في تجربة الرماية، امتزج الحماس بالإحساس بالإنجاز، حيث استجاب الضيوف للإرشادات الصوتية لتوجيه السهام وإطلاقها بدقة لافتة.
وفي "إيرث لاب"، تجسدت الاستدامة بشكل ملموس. فقد خاض الضيوف تجربة إعادة تدوير الورق بأيديهم، محوّلينه إلى كتيّبات يدوية، في تواصل مباشر مع فلسفة التجدد التي تقوم عليها الوجهة. وقد عبّر منصور عن إعجابه بهذه التجربة قائلًا: "استمتعت كثيرًا بالتركيز على الاستدامة. لم أكن أعلم أنه يمكن صنع الصابون من زيوت الطهي المستخدمة مع ابتكار روائح رائعة. تجربة إعادة تدوير الورق كانت الأولى لي، وأتمنى أن أجربها في المنزل. الفريق شرح العملية بطريقة ممتازة.".
كما تحوّل إعداد القهوة السعودية مع أبي مروان، أحد أبناء أهالي مناطق البحر الأحمر، إلى لحظة إنسانية دافئة جمعت الجميع. ومن خلال صوته وإرشاداته، شارك الضيوف في كل مرحلة من الطقوس التقليدية؛ من تحضير الحبوب، إلى تحميصها، ثم طحنها يدويًا. أما محمد، فقد حملت له التجربة بُعدًا شخصيًا أعمق. فهو شغوف بالقهوة ومؤسس علامته الخاصة "فور سينسز". قال وهو يطحن البُنّ: "أحضرت معي بعضًا من قهوتي الخاصة… الإثيوبية تحديدًا بطابعها الفاكهي ونكهتها الحمضية التي أحبها". ثم طلب تمرير البُنّ بين الحضور، داعيًا الجميع لاكتشاف عبيرها قبل أن يقوم بتحضير القهوة لهم بنفسه.
وخلال الزيارة، لعب فريق Six Senses Southern Dunes دورًا محوريًا في إنجاح التجربة، حيث حرص على تقديم كل نشاط بعناية فائقة واهتمام بالتفاصيل، في انعكاس واضح لالتزام أوسع بتقديم ضيافة واعية، مرحّبة، وشاملة للجميع.
واختُتمت الرحلة بجلسة علاج بالصوت في سبا Six Senses Southern Dunes. فالصوت يمتلك قدرة فريدة على تعزيز الإحساس بالمكان والحضور. وبالنسبة للضيوف من ذوي الإعاقة البصرية، كانت هذه التجربة ذات معنى خاص، إذ قدّمت لهم وسيلة أخرى للتواصل مع محيطهم، والشعور به بعمق مختلف.
ما ميّز هذه الرحلة لم يكن التجارب الفردية فحسب، بل تلك اللحظات المشتركة التي نسجت روحها الحقيقية؛ أحاديث دافئة على فنجان قهوة، ألحان عُزفت معًا، وقصص تبادلها الجميع. تلك اللحظات تجسّد جوهر السفر في أبهى صوره، حيث التواصل الإنساني، والاكتشاف، والشعور العميق بالانتماء.
ومع استمرار السعودية في فتح أبوابها للعالم، تأتي جودة الحياة وتوسيع آفاق السياحة في صميم مستهدفات رؤية السعودية 2030. ويُعد تصميم وجهات سياحية شاملة وميسّرة للجميع جزءًا أساسيًا من هذا التقدّم، بما يضمن تمكين المزيد من الزوار من خوض تجربة طبيعة السعودية وثقافتها وكرم ضيافتها.
"عندما بدأنا هذا العمل قبل عامين، رأينا فرصة حقيقية لجعل الوجهة أكثر سهولة وشمولًا للجميع. وكانت من أولى خطواتنا بناء مجتمع والتواصل المباشر مع الضيوف من ذوي الإعاقة". وأضاف النمر: "من هنا أطلقنا هذه المبادرة، ودعونا ضيوفًا من ذوي الإعاقات المختلفة لتجربة الوجهة ومشاركة آرائهم ومقترحاتهم. هذه الرؤى تسهم في تطوير تجارب أكثر شمولًا وعمقًا".
وقد شكّلت هذه الزيارة محطة مهمة في هذه الرحلة.
فقد شارك ضيوفنا تجاربهم وانطباعاتهم بكل شفافية، مما ساعدنا على تطوير نهجنا وتعزيزه بشكل مستمر. وستسهم هذه الملاحظات في تشكيل كيفية تقديم التجارب مستقبلًا مع نمو الوجهة وتوسعها.
كما أوضح مارك: "تجربة الإعاقة تختلف من شخص لآخر. لقد كنا محظوظين بالعمل مع مجموعة من الضيوف المكفوفين الذين أبدوا تفاعلًا عميقًا، وأسهموا في رفع مستوى الوعي وتطوير فهمنا طوال الرحلة. كان من الملهم مشاهدة روح التعاون والصداقة التي نشأت، ليس فقط بين الضيوف أنفسهم، بل أيضًا مع الفرق التي قدّمت الأنشطة. والأهم أننا صنعنا معًا ذكريات وتجارب ذات معنى". وأضاف: "هذا النجاح هو ثمرة جهد جماعي بين "البحر الأحمر الدولية"، و Six Senses Southern Dunes، وشركائنا الخارجيين. إنها لحظة مميزة، ونتطلع إلى تكرارها قريبًا".
تطلّب تحويل هذه التجربة إلى واقع ملموس تعاونًا بين فرق وشركاء متعددين. فمن تطوير الوجهات والتنمية المجتمعية، إلى شركة "البحر الأحمر للرياضة والترفيه" وعلامتها لسياحة المغامرات "أكون"، إلى جانب Six Senses Southern Dunes وأفراد من أهالي مناطق البحر الأحمر، عكست الزيارة التزامًا مشتركًا بصناعة تجارب أكثر شمولًا وأعمق معنى عبر وجهاتنا.
وعند لحظة الوداع، كان هناك أمر واحد واضح، وهو أن وجهتي "البحر الأحمر" و"أمالا"، لا تُعرَّفان فقط بما يُرى، بل بما يُشعَر ويُسمَع ويُعاش.. وبمن يرحّبان به.